ابدية الحزن العربي
يسألني كثير من المتعلمين للعربية هنا، مِمّن تمكّنهم معرفتهم باللغة أن يستمعوا إلى شيء من الموسيقى أو يقرؤوا مقاطع من الشعر، عن سرّ الحزن الذي يحمله العرب في صدورهم، سيّما حين يتعلّق الموضوع بالحب. لماذا يحْزن العربي حين يُحب؟ مفارقة كبيرة حقا. هل نحن نحب لنحزن؟ الحزن، ضمن أشياء أخرى، أصبح بطاقة تعريف العربي للعالم. أنا أحزن إذن أنا موجود. لا أحاول هنا أن أنمّط ثقافتي، لكنّ تماهينا نحن العرب مع الحزن واستمتاعنا بذلك التماهي يثير الدهشة فعلا. ربما ساعدتنا أوضاعنا السياسية المتردية في هذا العصر على تشرّب الحزن حتى الثمالة، لكن المسألة، جوهريا، أعمق من ذلك بكثير.
شِعرنا بدأ بالربط بين الحب والبكاء. ربما نتساءل فيما إذا كان امرؤ القيس قد قال الشعر لأنه أحب فعلا، أو أن الحب كان مجرد وسيلة فنية لقول الشعر، لكننا إذا صدّقنا أن معلقته هي من أولى قصائد الشعر في تاريخ العرب، فإن فزعا من الحب لا بدّ أن يصيبنا. أيّة أمة تبدأ نصوصها الأدبية برجاء الشّاعر أصحابه أن يساعدوه في بكائه؟
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
الحب هنا مرحلة متقدمة زمنيا عن قول النص. لا يخبرنا الشاعر من أحب، ولماذا تركته حبيبته، وفيما إذا كان ثمة جماليات للتجربة ينبغي أن تقال. ما يعني الشاعر هنا أن يبكي ويُبكي معه أصحابه، هو يبكي لأنه أحب ورفاقه يبكون لأن صديقهم أحب. القبيلة كلها تبكي لأن شاعرها أحب، والنتيجة أن العرب كلهم أصبحوا يبكون لأن كبير شعرائهم بكى. أليس هو الذي "بكى واستبكى وأوقف واستوقف" كما قال عنه النقاد العرب؟ ماذا لو بدأ الملك الضليل قصيدته المشؤومة هذه بتصوير سعادة الحب وأهله؟ هل كان وقوع الشاعر في الحب المبرّر الذي جعله يشعر بهذه المركزية العجيبة للذات؟ والأعجب أن المخاطب في هذا البيت ليس أصدقاء الشاعر فقط، بل هو كل عربي على امتداد الزمن. لا أدري كيف كانت الألف علامة للمثنى في قواعد العربية. ألف امرئ القيس في (قفا) علامة ملايين العرب، عشاقا ومعشوقين.الشاعر يأمر هنا، لم يأت البيت بصيغة الماضي او المضارع، بل هو أمر. هو تصوير-أو ربما تشكيل- لحالة الحب العربي الفاجعة: مرحلة قصيرة من الحلم/الوهم (ليست مذكورة في البيت طبعا، فالاهم هو البكاء)، تتلوها ذكريات العويل والنحيب. هل قال امرؤ القيس تاريخ العشق العربي في بيت واحد؟ البكاء هنا ليس حالة استثنائية، ليس إحدى التبعات الممكنة للوقوع في الحب، بل هو الضرورة التي لا محيص عنها. الغرابة الأخرى أن هذه الصورة البكائية للحب صدرت من ذات الشاعر الذي كان يلهو مع نسائه في القصيدة ذاتها. لماذا لم يستطع وعي امرئ القيس، أو لاوعيه، أن يبدأ القصيدة بذكريات جميلة عن الحب، وهو الذي كان يعيشها فعلا على أرض الواقع؟ نبوءة من الشاعر، ربما. كان يدرك بحسه الفطري أن هذا ما يحب العربي سماعه. امرؤ القيس أحد أعظم المنتصرين في التاريخ الإنساني. ببكائه، ضحك على أمة كاملة جعلت قصيدته نموذجه الأعلى في الشعر، شكلا ومضمونا.
الحب العذري، بعد ذلك بمائتي عام أو يزيد، أوصل المسألة إلى حالة هستيرية. ما الذي يحدث؟ "نحن قوم إذا عشقوا ماتوا". هذا هو الجواب. ليس المهم أن نسأل عن أسباب هذه الظاهرة بقدر ما هو مهم أن نرى آثارها. هناك بكاء وهنا موت وجنون. أليس مؤسفا أن المرات القليلة التي حفظ لنا الشعر العربي فيها أسماء نساء حقيقيات كانت عندما كنّ هؤلاء النساء سببا في عذاب الرجل وآهاته؟ حالة من الفقد مؤلمة حقا تطغى على هذا الشعر. ما الذي يفتقده العذري؟ ماالذي يفتقده العربي؟ الفقد يستلزم ملكية مسبقة، لكنك أحيانا تحسّ أن الفقد حالة ملازمة لنا، نولد فاقدين لشيء ما، لم نملكه، ربما لا نعرفه، لكننا نشعر بفراغه في قلوبنا، لذلك نبدأ بالبكاء عليه. إشارة بعض الباحثين إلى أن العذري كان يهرب من حبيبته، في ذات اللحظة التي يقع في حبها، حتى تصبح مادة لحزنه، جديرة بالنظر ولو أنها تضيف على المأساة مأساة. قبيلة واحدة شغلت التاريخ العربي وأصبح رجالها مثالا للموت عشقا. مفارقة أخرى في حضارة قامت نظريا على مفهوم الأمة. كان كثيّر عزّة يزعم أنه:
فإن سأل الواشون فيم هجرتها فقل نفس حرّ سُلّيت فتسلّت
هل تسلّت نفسه فعلا؟ لاحظوا أن هذا البيت هو آخر أبيات تائيته الشهيرة. التسلّي زَعْم، تركه الشاعر دون دليل، لأنه ليس جديرا بالذكر في نظره. ما يستحق السرد هو الألم الذي يسبق. حالة البحث العبثي عن شيء لا وجود له ربما. ماالذي فعلناه بالمتنبي وفعله الزمان به حتى يهشّم الذات العربية، ذاتنا، إلى الأبد، ويجعلها غريبة عنها؟ ما الذي أراده أبو الطيب؟
أتى الزمانَ بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم
هرم في عصر المتنبي. هل نعيش الآن سكرات موت الزمان إذن؟
كان ذلك كله في لحظات انتصار على مستوى الأمة، أو القدرة على تخيل الانتصار على الأقل، فماالذي سنكون عليه في عصر البكاء الحقيقي؟ لننظر إلى الفيديو الذي صاحب أغنية أوبريت الحلم العربي. حلم على صور الهزائم ونكسة عبد الناصر وجنازته وحرب بيروت. أي حلم هذا؟ أمر طبيعي إذن أن يعيد نزار قباني أسطورة الحزن العربي بحذافيرها وكأن شيئا لم يتغير. الملك الضليل تذكر فبكى، والفتى الدمشقي علّمه الحبّ أن يحزن. ألف وعام من الحزن، إذا استعرنا عنوان رشيد بوجدرة.ربما يكون إنجازنزار أنّه سمح للمرأة أخيرا أن تبكي، فسمعناها بعد أن ظل البكاء طويلا حكرا على الرجال. أحزان نزار ليست شيئا طارئا، بل هي ملكية شخصية لا تفارقه:
فأنا لا أملك في الدّنيا إلا عينيك وأحزاني
ثم يأتي غير العرب المتعلمين للعربية ليسألونا عن سرّ عشقنا لعبدالحليم. أجيب أحيانا أن من الصّعب أن تحب عبد الحليم إذا لم تكن عربيا. العندليب كان صورة الحزن العربي بامتيازها. أم كلثوم كانت حزينة غالبا، لكنك تشعر أن شكلها لا يساعدها على ذلك. أما عبدالحليم فقد كان حزينا من كل الجهات، جوّانيّا وبرَانيّا. ولعلها مصادفة أن تصاحب لقطات جنازته عندما تعرض على التلفاز أغنيته (أي دمعة حزن لا). هل كان العرب يحاولون بعد وفاة عبدالحليم أن يثوروا على الحزن، لذلك اختاروا هذه الأغنية وداعا له وللحزن معا؟ ربما، فنغمة الحزن الصادق خفّت كثيرا مع صعود موجة الأغاني الحديثة المصورة. لكن أشرطة عبدالحليم وصوره وعينيه المليئتين بحزن عمره من عمر لغتنا وشعرنا ما زالت تملأ المكان والقلب العربي، قلب فَقَد قبل أن يملك، وبكى قبل أن يفرح.
نشرت هذه المقالة في القدس العربي
5/11/2007
